Yahoo!

بســـــــــــــــــــم الـــــــــــــــــــــــــــله الرحمــــــــــــن الرحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم

سأضرب في طول البلاد وعرضها... أنال مرادي أو أموت غريبا ***

فإن تلفت نفسي فلله ذرها... وإن سلمت كان الرجوع قريبا***


المقارنة بين النظرية الواقعية الكلاسيكية والجديدة

كتبها عبد المالك بن عبد الوهاب الأنصاري ، في 30 يناير 2010 الساعة: 20:11 م

 

        لقد ساعد الواقع الدولي المعقد ولفترات متباينة، على بروز سلسلة من الأدوات والمناهج العلمية والنظريات التي حاولت تبسيط هذا التعقيد، وسعت لتوصيف وتفسير الواقع الدولي بمعطياته المختلفة، لإعطائنا قالبا نظريا يساعد الباحثين والدارسين على الإلمام بأبعاد الظواهر الدولية ، وبهدف الوصول إلى تعميمات ونظريات بخصوصها .
وسوف أتجاوز هذه النظريات، لأخوض في نظرية ربما لم يكتمل النقاش فيها بعد، ولكن سأتعرض بطريقة تحليلية لهذه النظرية، ومحاولاتها الجادة في توصيف و تحليل المجتمع الدولي المعاصر،وما طرأت عليه من تغيرات جذرية وثانوية، وكدا تقرير السمات و الملامح العامة لهذه النظرية، وإجراء نوع من المقارنة ، لاستنتاج طبيعة العلاقة بين النظرية الواقعية التقليدية و النظرية الواقعية الجديدة، وذلك وفق المنهج   التاريخي المقارن، وانطلاقا من الإشكالية الأساسية:    
ماهي طبيعة العلاقة بين النظرية الواقعية التقليدية و الواقعية الجديدة ؟ هل هي رد فعل أم هي إمتداد؟.
 العلوم الاجتماعية، بما فيها العلاقات الدولية تتطور بصورة جدلية، و وفقا لمبدأ التراكم المعرفي، علىخلاف العلوم الطبيعية التي تتطور وفق القطيعة العلمية التي تعتبر شرط الموضوعية، فماهي طبيعة العلاقة النظرية بين الاتجاهين التقليدي والجديد؟
* ماهي المعايير النظرية التي تمكننا من الوقوف عند هذه العلاقة؟
* ماهي المسلمات التي حافظت عليها و التغيرات التي طرأت عليها؟
سأحاول في الدراسة توظيف المنهج التاريخي المقارن، و ذلك بإجراء مقارنات بسيطة بين المسلمات التقليدية والجديدة، والتطورات التي مر بها هذا الاتجاه ثم الوقوف عند الثابت والمتغير في هذه العلاقة، للخلوص في الأخير إلى الإجابة عن الإشكالية.   
 
 النظـرية والبـناء النظـري.
إن التحدث عن النظرية في العلوم الإنسانية بشكل عام و في العلاقات الدولية بشكل خاص ، أثار العديد من الاهتمام لدى الدارسين الآكاديمين في هذا الحقل، وجعلهم يقفون أمام سؤال محوري، وهو هل يمكن صياغة نظرية علمية في العلاقات الدولية؟ وبالتالي يمكن أن نخلص للغاية من ذلك السؤال هو إضفاء العلمية على هذا الحقل من خلال اعتماده على مصطلحات ربما تعطي له أكثر تواجدا ومصداقية،وذلك مقارنة بالعلوم الإنسانية الأخرى التي بدأت تعرف استقرار نظرا لقدمها وكذلك لحداثة التنظير العلمي في حقل العلاقات الدولية.
وبناء على ماسبق سأحاول في هذا الفصل تبيان المراحل المنهجية التي تبنى عليها النظرية، ثم الوقوف عند الإتجهات النظرية التي تبين الجدل الفلسفي حول كيفية تطور العلوم، فهناك اتجاهين غالبين على هذا التحليل في إطاره العام وهما الانفصالي والاستمراري، كما سأحدث هناك نوع من المقارنة الضمنية من حيث المفاهيم والمصطلحات للنظريتين أو ما يعرف بالمقارنة من حيث الأفكار.   
    أ - تعريف النظرية:
 فالنظري حسب كنيث والتز   k.WALTZهي "جملة أو مجموعة من القوانين المتعلقة بسلوك ما أو ظاهرة معينة"  theories are collections or set of laws pertaining to particular behavior or phenomenon. 1. "
وعليه فمصطلح النظرية في العلوم الاجتماعية خاصة في العلاقات الدولية مفهوم خاص، ذو نظام استقرائي يؤدي إلى تقديم اقتراحات، حول السلوك السياسي، تنبع من الدراسات التاريخية المقارنة .
ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال المثال التالي: يمكن إقامة علاقة بين دخل الناخبين ونوع تربيتهم ودينهم و التوجهات السياسية لأوليائهم، والجهة التي يصوتون لصالحها، فإذا أخذت العلاقة هذه العلاقات كقوانين احتمالية مع بعضها البعض يمكن إقامة علاقات هامة. إذن: خصائص الناخبين تشكل ( المتغيرات المستقلة)، واختيارهم لحزب معين تشكل ( المتغير التابع).
 ب- البناء النظري theoretical structurel:
ويتمثل في المنطلقات الفكرية التي تؤسس لترتيب منطقي للمسلمات و الفرضيات وفق منهج علمي، والذي يبدأ من مرحلة ما قبل النظرية وصولا إلى النظرية ، وعليه يذهب الباحثون في هذا المجال على أنه،لابد أن يشتمل في بناء أي تفسير نظري في العلاقات الدولية على ثلاث جوانب:
1- الجانب الأنتولوجي( الوجودي): أي النظرة إلى طبيعة الفواعل ودوافع سلوكها، مثال الواقعية الفواعل هي الدول، القوة دافع يحركها للعب أدوار.      
 
                                                                                                                   
2-الجانب الإبستمولوجي: أي النظرة إلى سلوكيات الفواعل وكيفية تحليلها، إذن هي اقتراح القوالب النظرية مثال : نظرية الاعتماد المتبادل التي انطلقت من التحولات التي مست الفواعل وتوزيع القضايا في العلاقات الدولية ( التحليل الأنتولوجي) ثم اقترحوا قالبا نظريا أو النظرة الإبستمولوجية للعلاقات الدولية .
3- الجانب المنهجي: اقتراح المناهج التي تعبر عن قبول للنظرية.
 
من الشكل واحد نفهم:
فالانتقال من النظرة الأنتولوجية إلى النظرة الإبستمولوجية يعطينا نماذج نظرية والناذج                                                                                                                                                                                                                                                                                                        التي فيها نقائص ترجع في عملية تعديلية نظرية، وتستمر العملية حتى ترتقي
النظرية إلى مستوى المنهج. 
مثال:الواقعية حدث تغير في الجانب الأنتولوجي ( حروب بين عرقيات)، حدث هناك
نقص في الاستيعاب الأنتولوجي،وهو التواجد العرقي، الانتقال إلى الجانب الإبستيمولجي
إدماج هذه الفواعل وإضافة مفاهيم التحريك والتعبئة، للخلوص في الأخير إلى الجانب النظري
 ( الواقية العرقية ) لباري بوزان.
 

النظرة الأنتولوجية

 
النظرة الإبستمولوجية

المنهــــج
 

 

 
                                      الشكل: 01
 
وبناء على ماسبق فإن النظرية تتطور استنادا إلى أمرين:
* التطور في الظاهرة( النظام الدولي).
* التطور في المناهج وأدوات الدراسة.
 
 
 الجـدل الفلسـفي فـي تطـور المعـرفة
 إن الحديث عن تطور نظريات العلاقات الدولية وطبيعة العلاقة بينها، يأخذنا للحديث عن إشكالية تأسيس المعرفة العلمية، والبحث لها عن مشروعية منطقية و واقعية تبرز وتستوعب التطورات والتحولات العميقة التي مست مختلف العلوم.                     أ- الاتجاه التراكمي:
لقد استطاع" توماس كون" thomas khun  في كتابه"بنية الثورات العلمية" ومن خلال مصطلح المنظور الذي يعرفه على أنه" المسلمات المركزية التي تمتلكها مجموعة من الباحثين حول العالم الذي يقومون بدراسته" .
«the fundamental assumptions scholars make about the world they are studying».2.
 أن يوجه اهتمام الباحثين إلى أهمية النظرة التاريخية لمعرفة التطور في حقل العلاقات الدولية، فهو يعتقد أن المعرفة تتطور بطريقة جدلية، بحيث ينتصر العلم الحقيقي من خلال المواجهة بين الأفكار المتضاربة، وما هو مهم حسب رأيه لابد من إعادة التفكير في الأمور بطريقة جذرية وركز على المشاكل العميقة بدلا من حل الألغاز puzzle solving أي المسائل الروتينية التي توجد في المسلمة داخل المنظور الواحد. كما أكد على عم وجود حقيقة مطلقة لأن العلم البشري في تطور دائم فالمعلومات التي يقدمها أي منظور عن العالم تبقى محدودة،ويبدأ الباحثون بالبحث عن النقائص anomaliesأو عيوب في شكل تناقضات، أو أسئلة عالقة لاتجد لها جواب داخل المنظور.  
" … كما أن دراسة أي تطور في العلاقات الدولية لا تؤدي غرضها المطلوب إذا انفصلت عن سياق المنظومة المعرفية congnitive map التي ينسجها علماء الطبيعة في وقت من الأوقات، غير أن هذه التبعية لاتبرز في معارف هذه العلاقات بمثل ظهورها وبوضوح في منهجية دراسة العلاقات" .3.
 ب- الاتجاه الانفصالي:
يمكن أن نجد فلسفة هذا الاتجاه في كتابات "غاستون باشلار"، الذي يعتقد بأن المعرفة العلمية لاتأتي من عدم أو فراغ، بل هي دوما رد فعل على الأزمة، وهذه الأخيرة تبقى دوما نقطة الانطلاق بالنسبة لأي عملية ونشاط معرفي. ويتساءل باشلار عن كيفية حدوث المشكلة التي تحرر ميكانيزمات إنتاج المعرفة؟ ويجيب أن ذلك يحدث عندما يعترض الفكر العلمي عائق obstacle أي أزمة تقف حاجزا أمام تطور الفكر العلمي، فتاريخ الفكر العلمي هو في حقيقة الأمر تاريخ الأخطاء الذي لم يكتب بعد، ذلك أن هذه الأخطاء هي العوائق التي انبثق منها الصواب أو تجاوزها الفكر العلمي، فأنتج المعرفة العلمية.
إذن: المعرفة العلمية تبنى على أساس القطيعة التي يعتبرها آلية ضرورية لتجاوز العائق والتحرر منه، وهي تعني الرفض والثورة على القديم السائد، ولذلك تشيع في كتاباته فلسفة الر فض.
. 
في هذا الفقرة الثانية والمتعلقة سأتناول البناء النظري، لكل من الاتجاهين الواقعيين التقليدي و الجديد وذلك بالتعرض للمقارنة من حيث المنهجية الموضوعة في الفصل الأول من الناحية البناء النظري و المنطلقات الفكرية، وتلك المقارنة ستكون ضمنية و ستظهر جلي عند التطرق للواقعية الجديدة.
وانطلاقا من المواقف المختلفة حول تطور المعرفة الاجتماعية يمكن رصد اتجاهين في وصف طبيعة العلاقة بين الواقعية التقليدية والجديدة اتجاه يرى بأن المعرفة تتطور بشكل تراكمي وبالتالي فالواقعية الجديدة لم تكن إلا امتداد للواقعية الكلاسيكية في حين يؤكد أنصار الاتجاه الثاني على أن المعرفة الاجتماعية تتطور بشكل انفصالي وبالتالي فالواقعية الجديدة ماهي إلا ردت فعل على إسهامات الواقعية التقليدية، وبالتالي فأنصار الاتجاه الأول يشيرون إلى ما يجمع النظريتين من أوجه تشابه ، في حين يركز أنصار القطيعة على الأوجه العديدة للاختلاف بين النظريتين.
 البنـاء النـظري للواقـعية التقلــيدية:
أ- من ناحية الأحداث:
من المسلم به أن هذا التوجه في الواقعية جاء كرد فعل على المثالية، وبالنسبة لهذه الأخيرة التي استفادت من ظهور نخبة ثرية نتيجة لثورة الصناعية( خاصة في بريطانيا) والذين قاموا بتمويل أفكارهم ونشرها بقوة في أوروبا لأنها تخدم مصالحهم في قلب النظام من سيطرت العروش، وفي هذا الصدد دعمت العديد من الأفكار والعديد من الباحثين على غرار(كانط ،فولتير، ريكاردو، سميث آدم،وآخرون…) .كما ساهم انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية في إقرار مبادئ المثالية, ونفي كون الحروب حتمية لأنها مبادئ تساهم في إقرار الوضع الراهن.لكن ما لبث أن أصبح النظام الدولي مهدد من طرف الفاشيات والنازيات، كما أثبتت الأحداث فشل عصبة الأمم، كما أكدت الدبلوماسية السرية بين ألمانيا وبريطانيا على منطق المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات المثالية ( وبدأت الحرب العالمية الثانية وانهارت المسلمات المثالية) وبدأت معالم فكر جديد في التبلور أساسه الصراع الحاد الذي ساد النظام الأوروبي في تلك المرحلة.
ب- أما من ناحية المنهج :
لقد كانت كتابات "أوغست كونت" الذي أسس أفكار الفلسفة الوضعية التي بنت الواقعية منطلقاتها الفلسفية، وبالتالي فلا يجب أن نبحث عن ما يجب أن يكون بل يجب أن نحلل بكل موضوعية ما هو كائن من دون تشويه الظواهر الاجتماعية فهي تشبه الظواهر الطبيعية تحكمها قوانين ثابتة لا يمكن لإرادة البشر تغيرها وهدف عالم السياسة هو الكشف عن هذه القوانين التي تمكنه من فهم الظاهرة وتحليل ليس حاضرها فقط ولكن فهم ماضيها.  
ج - من حيث التصورات:
 فالواقعية الكلاسيكية بنت افتراضاتها على مسلمات محددة وفق جوانب ثلاث.
1- الجانب الأنتولوجي: من هذه الناحية فهي تتبنى الطرح الدولاتي المهيمن، فهي الفاعل الواحد الموحد، الدور المركزي الذي تقوم به سواء على المستوى الداخلي بناء المجتمع المدني و على المستوى الخارجي تشكيل النظام الدولي، وكذلك السيادة هي حجر الأساس في البناء السياسي لهذا التواجد الأنتولوجي.
2- الجانب الإبستمولوجي: كما قلنا بأن الواقعية الكلاسيكية لم ترد صياغة مناهج معرفية من العلوم الاجتماعية الأخرى، لأنها ترى فيها تحجيم للظاهرة الدولية في مصطلحات جنيركية مفرغة بقدر ما كان هدفها تفسير الواقع لذلك كانت الفلسفة الوضعية هي الخلفية المعرفية لها، وكانت قواعد القانون الطبيعي هي التي تحكم وتفسر سلوك الأمم. 
3- الجانب المنهجي: من خلال اعتمادها على المنهج التجريدي العقلاني كأساس لفهم الواقع كما هو عليه.
 البنـاء النظـري للواقعـية الجديـدة:
لم تعرف نظرية في العلاقات الدولية نقدا وهجوما أكثر مما عرفته النظرية الواقعية وخاصة الاتجاه التقليدي، وبضبط على من طرف التيار السلوكي الذي اعتبرها مجرد فلسفة تفتقد للمنهجية العلمية في تحليلها للسياسة الدولية، كما تزامن ظهور الاتجاه الجديد في الواقعية،مع بروز النزعة العلمية في شتى الاختصاصات الاجتماعية، وكثرت الصيحات التي تحاول أن ترتقي بالعلاقات الدولية إلى علم يشبه العلوم الطبيعية – وأصبح العلم بمثابة الإله- وأن صدق أو خطأ القضية بمدى إتباعها علميا .
وإذا نظرنا للبناء النظري للاتجاه الجديد في الواقعية من الناحية التصورات سنجد الفروق التالية:
1- الجانب الأنتولوجي: لقد شهد العالم تزايدا كبيرا لفواعل جديدة في النظام الدولي، من الشركات المتعددة الجنسية، وكدا المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، مما جعلنا أمام وضع يستحيل فيه تجاهل هذا التواجد البيولوجي على الأقل (دون النظر إلى مدى فعاليته) لهذه الفواعل الجديدة، لذلك نجد الواقعية الجديدة حاولت التعامل مع هذا النقص في عملية تعديلية ضمت فيه هذه الفواعل واعتبارها جزء في التحليل،وكما يقول والتز" …فعلى مر التاريخ تغيرت الدول في أشكال كثيرة لكن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الإطار الظري للتدخل الإنساني

كتبها عبد المالك بن عبد الوهاب الأنصاري ، في 30 يناير 2010 الساعة: 19:30 م

 

 
     لقد أفرزت حقبة ما بعد الحرب الباردة، تفوق وتوسع الفكر اللبرالي،الذي مهد إلى العديد من المفاهــيم
و الأفكار التي تشكل أدوات تساهم في صياغة العلاقات الدولية بما يتناسب ومصالح هذا التصور في مرحلته التدولية.
و إذا توقفنا أمام تلك المفاهيم فسنرى أنها تتشكل من مستويين:
مستوى يتمثل في إعادة صياغة المفاهيم التي أنتجتها مرحلة المعسكرين ـ السيادة الوطنية، عدم التدخل في الشؤون الداخلية ـ منع استخدام القوة في النزاعات الدولية…الخ.
ومستوى آخر يتجسد في إشاعة مفاهيم جديدة تعبر في الحقيقة عن تصورات الفكر الليبرالي في العلاقات الدولية ومن بين هذه المفاهيم (مبدأ التدخل الإنساني) الذي يثير إشكاليات عديدة، كونه يمس بإحدى أركان الاستقرار في النظام الدولي.
إذن: هل يمكن الاعتماد على القيم وحقوق الإنسان في تفسير التدخلات الخارجية، أم أنها لا تعدو أن تكون تبريرات سياسات ومصالح الدول الكبرى؟.
وإلى أي مدى تمكنت التشريعات الدولية من التوفيق بين واقع التناقض الذي يعيشه النظام الدولي و بين مبادئ موروثة- تكفل الدولة حق السيادة وبين حق التدخل الإنساني لمصلحة مفهوم المحاسبية الدولية-.
ولهذا نفترض بأنه إذا كانت نهاية الحرب الباردة أفرزت معالم نظام دولي جديد عكس تفوق المعسكر الغربي،فإن -مبدأ التدخل الإنساني- وغيره من المفاهيم الأخرى، ماهي إلا آليات جديدة لتطويع قواعد القانون الدولي لتتوافق مع واقع توزيع القدرات في النظام الدولي الجديد.
 

 

 

2) أنماط التدخل:
 
     في إطار تصنيف أنماط التدخل اختلف البحاثة و نجد في هذا الصدد من ذهب إلى اعتبار معيار عدد الأطراف المتدخلة، فيكون التدخل أحادي إذا تعلق الأمر بتدخل طرف واحد كالتدخل البريطاني في السيراليون، و تدخل ثنائي في حالة اشترك فيه طرفان حال التدخل الأنجلو-أمريكي في أفغانستان و العراق و تدخل متعدد الأطراف أو جماعي على غرار لتدخلات التي تمت في إطار هيئة الأمم المتحدة ، أو تدخل الناطو في كوسوفو.
في حين يذهب البعض الآخر إلى اعتماد تصنيف يستند إلى معيار هدف الطرف المتدخل لكونه يتضمن في حد ذاته الأصناف السابقة، و على هذا الأساس يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من التدخل:- التدخل الهجومي.
-       التدخل الدفاعي.
-       التدخل الإنساني.
و لكن قبل التعرض لشرح كل نمط من أنماط التدخل، نشير أن هذه الأنماط يمكن أن نضمِّنها في مرحلتين أو فترتين مختلفتين، اشتملت كل واحدة منها شكل من أنواع التدخل المذكورة، و على هذا الأساس يمكن التمييز بين مرحلتين:
 1) التدخل خلال النظام الوستفالي و حتى نهاية الحرب الباردة.
 2) التدخل بعد نهاية الحرب الباردة ( خلال النظام الدولي الجديد).
 
فبالنسبة للمرحلة الأولى فقد اشتملت على نوعين أو نمطين أساسيين من التدخل هما: التدخل الهجومي و الدفاعي، حيث برز بشكل كبير التفسير الواقعي الذي تمكن من تقديم نماذج و تفسيرات مقبولة لدوافع التدخل و أهدافه التي اقتصرت خلال هذه الفترة على تدخلات الدول التي اعتبرت بمثابة وحدات المركزية في التحليل حسب المنظور الواقعي بشقيه الهجومي و الدفاعي، و بناءا على مفهوم القوة و المصلحة و علاقات الصراع بيّن الواقعيون كيف أن الدول ستتدخل لحماية مصالحها أو الاستزادة و تعظيم قوتها.  
 
1- التدخل الهجومي :
تهدف من خلاله الدول إلى توسيع نفوذها ، و قد يظهر في شكل استعماري مباشر على غرار الحملات الاستعمارية الأوروبية ، فإذا كان التدخل استيطاني ، تفقد الدولة المستهدفة سيادتها تماما ، و تفقد جزءا منها إذا كان انتدابا ، و قد يكون عن طريق قصف عسكري متقطع و مفاجئ على غرار القصف الأنجلو-أمريكي للعراق و السودان و ليبيا…الخ.
كما تتدخل الدول عندما تجد فرصة في النزاع القائم لتحقيق مصالح معينة أو إضعاف الدولة المستهدفة لحسم قضايا عالقة بينهما، أو كانتقام من دعم الدولة المستهدفة لأقليات الدولة المتدخلة على غرار الدعم الإريتـري للانفصاليين في السودان كرد على الدعم السوداني للأقليات الصومالية في اريتريا، الدعم الروسي للأكـراد في تركيا كرد على دعمها للانفصاليين الشيشان.[1]
و يعتقد الواقعيون الهجوميون بتزايد احتمالات الحرب بين الدول كلما كانت لدى بعضها القدرة على غزو دولة أخرى بسهولة. لكن عندما تكون القدرات الدفاعية أكثر تيسرا من القدرات الهجومية فإنه يسود الأمن وتزول حوافز النزعة التوسعية. و عندما تسود النزعة الدفاعية، ستتمكن الدول من التمييز بين الأسلحة الدفاعية والأسلحة ذات الطابع الهجومي، آنئذ يمكن للدول امتلاك الوسائل الكفيلة بالدفاع عن نفسها دون تهديد الآخرين، وهي بذلك تقلص من آثار الطابع الفوضوي للساحة الدولية.[2]
2.التدخل الدفاعي Defensive: و هو التدخل الذي تقوم به الدول دفاعا عن أمنها : فقد يشكل النزاع الداخلي القائم في دولة ما تهديدا لأمن و مصالح الدولة المتدخلة خاصة إذا كانت تقاسمها الجوار الجغرافي ، لذلك غالبا ما يساهم هذا النوع من التدخل في حصر النزاع و منع انتشاره على غرار التدخل الفرنسي في إقليم الباسك ، التدخل النيجيري في ليبريا، التدخل الأوروبي في كوسوفو   كذلك التدخل التركي في شمال العراق و الصينـي في أوزباكستان .
كما يشمل هذا النوع أيضا التدخلات الوقائية التي تقوم بها الدول، لمنع تهديدا متوقعا من الدولة المستهدفة، و يمكن تصنيف التدخلات الأمريكية لما بعد 11 سبتمبر في هذا الإطار .[3]
و يشير  الواقعيون ذوو النزعة الدفاعية أن الدول تسعى فقط للحفاظ على وجودها، بينما تقدم القوى الكبرى ضمانات لصيانة أمنها عن طريق تشكيل تحالفات توازنية بانتقاء آليات دفاعية عسكرية (مثل القدرات النووية الانتقامية). وليس من المفاجئ أن نجد وولتز وغيره من النيوواقعيين الذين يرون أن الو.م.أ. كانت آمنة في أغلب فترات الحرب الباردة يتخوفون من إمكانية تبديد الو.م.أ. لهذا المكسب في حال تبنيها لسياسة خارجية عدائية. وهكذا، فإنه و بنهاية الحرب الباردة تحولت الواقعية التشاؤمية لـ مورجينتو والمستمدة من الطبيعة البشرية إلى تبني نبرة أكثر تفاؤلية[4].
 
أما المرحلة الثانية التي تمتد منذ نهاية الحرب الباردة، فقد شهدت نوع جديد من أنواع التدخل، حيث ظهر عجز التفسير الواقعي بشكل كبير على تقديم تفسيرات مقبولة و متطابقة مع طبيعة التدخل في هذه الفترة، حيث أن التدخل سابقا كان يتم باسم المصالح و زيادة القوة غير أن التدخل من أجل حماية حقوق الإنسان أو ما اصطلح علية اسم (التدخل الإنساني) أمر مستجد عجزت الواقعية بما تمتلكه من أدوات تحليلية على تفسيره.
 
3- التدخل الإنساني:
 برز هذا الشكل من التدخل أساسا مع الدور الذي لعبته المنظمات الإنسانية في النزاعات الدولية ، ثم أصبح يشمل التدخل العسكري الجماعي في إطار هيئة الأمم المتحدة في الدول التي تنتهك فيها حقوق الإنسان على غرار التدخل شمال العراق، هايتي    الصومال، و البوسنة والهرسك …الخ (وفقا للمادة 42 من الفصل السابع من الميثاق).
و رغم أن الفقرة الأولى من المادة 53 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أنه " لا يجب القيام بأي فعل إكراهي سواء تحت ترتيبات إقليمية أو منظمات إقليمية بدون موافقة مجلس الأمن"(17) إلا أن العديد التدخلات الخارجية - التي حملت شعار حقوق الإنسان - تمت بدون قرار من مجلس الأمن على غرار تدخل حلف الناطو في كوسوفو1999 و تدخل بريطانيا في السيراليون 2000 …الخ .
وكنتيجة لذلك بدأت تظهر معالم أولوية المشروعية على مبدأ الشرعية في التدخل الخارجي.
عموما يشير مفهوم التدخل الإنساني إلى أنه:
" التدخل القسري في الشؤون الداخلية لدولة ما لحماية انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب على نطاق واسع. بهذا المعنى يجب تمييزه عن "المساعدة الإنسانية" التي لا تنطوي على القسر والتي تحدث عادة بموافقة الدولة المعنية. بعبارة أخرى، ينطوي التدخل (لدوافع) إنسانية على استخدام القوات المسلّحة من قبل دولة أو مجموعة من الدول أو منظمة دولية من منطلق الدوافع الإنسانية بغرض محدد هو منع أو تخفيف الآلام واسعة الانتشار أو الموت".[5]
و  يعرفIan Brownlie   التدخل الإنساني بأنه:
استعمال القوة العسكرية أو التهديد باستعمالها من طرف دولة أو منظمة دولية و ذلك لحماية حقوق الإنسان ".[6]
و قد ارتبط التدخل العرقي أساسا بقيام أعمال عنف أو انتهاك مباشر لحريات الأفراد أو قمعهم لذا فعمليات التدخل الإنساني تهدف إلى الحد أو وقف أعمال الإبادة العرقية أو التطهير العرقي ضد الجماعات في مناطق و أقاليم معينة. و يثار نظريا على هذا المستوى تمييز بين مصطلح التطهير العرقي و الإبادة الجماعية ، حيث أن التطهير العرقي "هو تعبير حديث مُلَطَّف للعملية المنظمة والمقصودة والتي كثيراً ما تنطوي على الوحشية لطرد أفراد مجموعة أو مجموعات إثنية بالقوة من أراض تطالب بها مجموعة إثنية أخرى"[7]، بينما الإبادة الجماعية هي "الإفناء المنظم لمجموعة قومية أو عرقية"[8]،و يمكن وصف إعمال عنف بأنها إبادة إذا:
- أدت إلى إحداث أدى جسدي أو عقلي خطير لأعضاء المجموعة، أو قتلهم.
- إحداث أدى عمدي لظروف معيشة الأفراد أو تحويل عمدي و قصري للجماعة من منطقة لأخرى. 
 لكن كثيراً ما يتعذر التمييز بين الاثنين عملياً. ومن 1992 حتى 1996 تمت في يوغسلافيا ممارسة التطهير العرقي من قبل الصرب والكرواتيين بعضهما ضد بعض، وبشكل أخص ضد مسلمي البوسنة. و قد كان الإجراء العملي النمطي هو الاستعمال المنظّم للتهويل والإرهاب والاغتصاب والتجويع والقتل من أجل تحقيق الطرد بالقوة. وقد كان الهدف تغيير خريطة البوسنة – هرزيغوفينا لمصلحة منفذي التطهير العرقي.
يعتبر التطهير العرقي نوعاً من "الحرب بعد الحديثة" حيث حل الصراع بين الميليشيات و الأحزاب المتنافسة والجماعات الإثنية غير الرسمية الأخرى محل الصراع بين الدول. و يكون أكبر عدد من الضحايا من المدنيين الذين يُذبحون في كثير من الأحيان بلا رحمة من قبل من كانوا جيرانهم وأبناء وطنهم. ومن الأمثلة قريبة العهد، إلى جانب البوسنة، ليبيريا وراوندا وسري لانكا و سيراليون والصومال والسودان وهاييتي وكمبوديا وزائير وأفغانستان. يقول روبرت كابلان (Robert Kaplan) (1994) إن الحرب ما بعد الحديثة والإبادة والتطهير العرقي من نتاج ظاهرة ما بعد الحرب الباردة المتمثلة بدول الأمم الفاشلة التي شهدت "تضاؤل الحكومات المركزية" وظهور المقاطعات القبلية والإقليمية وانتشار الأمراض دون عائق وازدياد انتشار الحروب.[9]

 

3) تطور مبدأ التدخل:
 
     عرف مبدأ التدخل في تطوره تزامنا مع تطور العديد من المفاهيم الأخرى المحورية في دراسة العلاقات الدولية، و هذا راجع إلى التداخل بين مختلف المفاهيم في تحليل الأحداث و الوقائع الدولية، لذا فقد ارتبط هذا المفهوم مباشرة بمفهوم السيادة و الأمن بالنسبة للدولةمن أي عدوان أو تدخل من أطراف خارجية.
     لذا فقد كان للتطورات و الثورات في دراسة العلاقات الدولية الأثر الكبير و المباشر على دراسة مفهوم التدخل و حدوده، فمع تزايد عدد الفواعل غير الدول إلى جانب الدولة التي لم تصبح الوحدة المركزية في التحليل، أصبح الآن المتعارف بين الدارسين و الباحثين في حقل العلاقات الدولية هو الانتقال من الحديث عن مبدأ عدم التدخل إلى شرعية التدخل في شؤون الدول استنادا إلى مبررات قانونية و سياسية و كذلك إنسانية.
لذا سنحاول من خلال هذا المبحث عرض مبسط لكرونولوجيا تطور مبدأ التدخل و نوضح كيف تم الانتقال من حق الدول المطلق في عدم التدخل في شؤونها إلى إمكانية إقرار و شرعية مبدأ التدخل.
فخلال أكثر من ثلاثة قرون تطور النظام الدولي من أجل هدف محدد هو ضمان سيادة الدولة، والذي قام على أساس أن تكتسب الدولة أهليتها من خلال السيادة بجانبيها الداخلي والخارجي[1] ،فمنذ نتائج الحروب التي عرفتها أوروبا تأثيرا كبيرا على بروز مبدأ عدم التدخل، كوسيلة لكبح السياسات التوسعية، ومنع انتشار النزاعات الداخلية، تفاديا لما حدث في حرب الثلاثين عاما حين تحولت الحروب الداخلية بين الكاثوليك، و البروتستانت إلى حرب دولية بعد تدخل الأطراف الإقليمية فجاءت اتفاقية وستفاليا سنة 1648 م لتضع أسس مبدأ عدم التدخل بعد إقرارها بالمساواة و احترام سيـادة الدول الأعضاء[2].    
ففي النظام الكلاسيكي لسيادة الدولة الذي أنشئ بعد معاهدة وستفاليا، كان يتعين تقييد مبدأ التدخل، بوصفه نمطاً سلوكياً، وإحاطته بقيود قانونية ودبلوماسية. فإذا تدخلت الدول ورجال الدولة طوعاً أو كرهاً بعضهم بشؤون بعض فعندئذ سوف تتقوض فكرة السيادة والمساواة والإقليمية ذاتها. بناء على ذلك نشأ نموذج كرة البلياردو للدولة الفاعلة لتكريس وتعزيز الفكرة التي مفادها أن ما سماه المحامون الولاية القضائية المحلية سوف يسود. وهذا يعني أن بعض المسائل والاهتمامات "محظورة" على مجتمع الدول. و سميت المناطق الأساسية التي ينطبق عليها هذا الحظر بعبارات مثل "سلامة الأراضي" و"الاستقلال السياسي". فجوهر هذه الأفكار ينطوي على محاولة حماية الوضع الإقليمي والحكومي في الدولة ذات السيادة. فالأراضي والهيكل الحكومي لهما أهمية متأصلة ورمزية للدول ولرجال الدول. لذا فيُفترض أن التدخل في هذه المسائل محظور بموجب مبدأ السيادة.[3]
ثم تطور المبدأ في إطار عصبة الأمم المتحدة، حيث جاء في المادة 10 من الميثاق "على كل دولة عضو في العصبة احترام و ضمان سلامة إقليم الدول الأعضاء و استقلالها السياسي ضد أي اعتداء خارجي"[4]، رغم ذلك اقتصر تطبيقه على العلاقات بين الدول الأوروبية فقط، في حين بقيت العديد من الدول الأخرى تحت نير الاستعمار الذي قننه ميثاق العصبة في المادة 22، حيث جاء فيها " هناك شعوب غير قادرة على إدارة نفسها بنفسها لذلك يعتبر تقدمها و ازدهارها مهمة حضارية على عاتـق الدول المتمدنة"[5].
و بظهور هيئة الأمم المتحدة –بعد الدمار الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية- قررت الدول الكبرى وضع أسس قانونية تضبط الأطماع التوسعية حفاظا على التوزيع القائم للقوى ، فكان مبدأ عدم التدخل إحدى الأسس المهمة لتحقيق ذلك حيث جاء في المادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة " يجب على الدول الإحجام عن استعمال القوة أو التهديد باستعمالها بطريقة تتعارض مع أهداف الأمم المتحدة ضد الوحدة الوطنية و الاستقلال السياسي للدول الأخرى[6].
      كما حظرت محكمة العدل الدولية التدخل بصنفيه المباشر و الغير مباشر، و حظرت استعمال القوة المباشر ضد دولة أخرى، أو دعم دولة للعصابات المسلحة في دولة أخرى بهدف قلب نظامها السياسي.و هذا ما يبدو جليا في قراراتها  غير أن ميثاق الأمم المتحدة أستثنى بعض أشكال التدخل مثل التدخل التي يتم بقرار من مجلس الأمن وفقا للمادة 42 من الفصل 7 من الميثاق، كذلك في حالة الدفاع الذاتي على غرار ما نصت عليه المـادة51 [7].
إذا يبدو واضحا كيف أن القانون الدولي من خلال ميثاق الأمم المتحدة قد وضع قواعد و نصوص قانونية حول لاشرعية التدخل الخارجي، فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي هي الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة ،[8] إلا أنها غالبا ما تخترق من طرف القوى الإقليمية و الدولية، و يرجع ذلك أساسا إلى غياب سلطة دولية رادعة في ظل مجتمع الفوضـى– على حد تعبير Hedley Bull - بالإضافة إلى تعارض مبادئ أخرى مع مبدأ عدم التدخل كحق الدفاع الذاتي Self - Defense الذي أقرته المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ، والذي اتخذته العديد من الدول كتبرير لتدخلاتها الخارجية في إطار ما أصبح يعرف بالتدخل الوقائي أو الضربات الإستباقية[9].
فخلال طيلة هذه الفترة كان هدف النظام الدولي هو ضمان سيادة الدولة، والذي قام على أساس أن تكتسب الدولة أهليتها من خلال السيادة بجانبيها الداخلي والخارجي.
وجاءت أحداث التسعينيات من القرن الماضي لتغير النظام الدولي، بعد اتساع مدى التدخل وأسبابه خلال هذا العقد الذي شهد في النصف الأول منه أحداث ومواقف وأزمات حادة في العراق والصومال وتاهيتي ويوغوسلافيا السابقة ورواندا وليبيريا، وأما الأحداث الأخرى التي حدثت في النصف الثاني فقد ارتبطت بعدد من القرارات ضد أفغانستان 1996- 1999 والسودان 1996، ثم كوسوفو وتيمور الشرقية في1999 والبوسنة والهرسك. وتعتبر قرارات الأمم المتحدة في تلك الفترة نقطة تحول أساسية بالنسبة لمفهوم السيادة وكيفية إدارة الأمن والسلام الدوليين. وعكس الاستخدام الجديد لصلاحيات مجلس الأمن الموجودة في الباب السابع للميثاق بدء مرحلة جديدة من الجهود لحماية البدل والمجتمع الدولي[10].
و قد أدت هذه الأحداث إلى إدخال تغيير جوهري على مفهوم السيادة، فضمان سيادة الدولة، القائم على أساس أن تكتسب الدولة أهليتها من خلال السيادة بجانبيها الداخلي والخارجي، قد تغير و أصبح الحديث عن عملية تدويل السيادة من خلال توسيع أبعادها الخارجية.
فالقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الدولي -وهى الاعتراف المتبادل بين دول لها سيادة- اتسعت بصورة معينة أدت إلى وضع شروط لممارسة الدولة حقوق السيادة:
أهمها: ألا يتسبب من جراء ممارسة تلك الحقوق إحداث اضطراب في النظام العالمي. و في كثير من الحالات التي حدث فيها ذلك، مارس مجلس الأمن السلطات المخولة له متجاوزا الحقوق التقليدية للسيادة. والإجراء العسكري الذي اتخذه حلف الناتو تجاه كوسوفو أكد الواقع الجديد، بأنه قد أصبح ممكنا أن تقوم دولة ما بهذا العمل عندما لا تقوم الأمم المتحدة ومجلس الأمن باتخاذ الإجراءات الكافية. ويعتبر وضع كوسوفو وتيمور الشرقية تحت السلطة الكاملة لإدارة دولية انتقالية بتكليف من الأمم المتحدة من أكبر العلامات وضوحا على وجود صورة للسيادة الدولية.[11]
و هكذا كانت البداية لمزيد من إلغاء سيادة الدولة من أجل المصالح العريضة للأمن و السلام الدوليين، هذه الحقيقة وحدها أبرزت التغيير الذي لحق بالمجتمع الدولي ، من حيث أن أوضاعا داخلية لدولة ما يمكن أن تمثل تهديدا لاستقرار الدول الأخرى المجاورة لها[12]، كما وفر مبدأ حماية حقوق الإنسان و الأقليات البيئة الملائمة للتدخل الخارجي حيث أصبحت الدول تتخذ منه ذريعة للتدخل في الدول الأخرى على غرار التدخل الروسي في أبخازيا، التدخل الصربي الكرواتي في كوسوفو التدخل التركي و الإيراني في إقليم ناكارنو- كاراباخ، التدخل الأمريكي في الصومال و العراق و كوسـوفو و التدخل البريطاني في سيراليون…الخ[13].
و قد جرى التركيز في هذه المرحلة الجديدة في شكل و تفاعلات النظام الدولي على ما سمي حق التدخل الإنساني والانتقاص من مكونات مفهوم سيادة الدولة لمصلحة مفهوم المحاسبية الدولية ، وهو مبرر شكلي استهدف وضع بذور وأسس بنية قانونية دولية جديدة يجري العمل على تضمينها في البنية القائمة وإن كان بشكل عملي في مرحلة أولى.وفي نفس الوقت كانت دول المعسكر الرأسمالي تحرص على التحرك على أكثر من مستوى منها العمل على تطوير قواعد القانون الدولي الإنساني من أجل تقنين وتشريع حق التدخل، ومنها أيضا اختلاق السوابق التي تتحول عبر التواتر إلى عرف دولي له قوة القانون، وفي هذا السياق يمكن فهم حملة الحلف الأطلسي على يوجوسلافيا[14].
لذا فقد أصبح مبدأ التدخل الإنساني بشكله الجديد و المبرر بخدمة الأغراض الإنسانية للأقليات المضطهدة داخل دول معينة يمثل تحديا أساسيا لمبدأ عدم التدخل، حيث استغلت العديد من الدول انتشار جماعاتها العرقية في دول أخرى كذريعة لتدخلها سواء مباشرة باحتلال الإقليم الذي تقطنه الأقلية، أو بطريقة غير مباشرة من خلال دعمها للحركة الانفصاليـة للضغط على النظام السياسي القائم في الدولة المستهدفة، كما وجدت الدول الكبرى في مبـدأ حمايـة حقـوق الإنسان و الأقليات ذريعة قوية لتبرير تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول أخـرى، مما ساهم في تقوية الحركات الانفصالية و تحريك العديد من النزاعات العرقية التي عرفت انتشارا واسعا في النظام الدولي المعاصـر[15].
من خلال ما سبق ذكره يمكن القول بأن حق الدول في عدم التدخل في شؤونها الداخلية بأي شكل مباشر أو غير مباشر و في ظل المتغيرات الجديدة في النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة لم تعد تملك ذلك الحق المقدس في سيادة مطلقة على المستويين الداخلي و الخارجي بل إن حق ممارسة السيادة على هذين المستويين أصبح وفق مبدأ المساءلة الدولية، و مدى إسهام هذه الدولة في تحقيق الأمن و السلم الدوليين، لذا فقد  تغير أسلوب تطبيق السيادة بدون أن يكون التغيير جوهريا. حدث التغيير المهم فقط مؤخرا عندما بدأ التوسع في التدخل الإنساني الذي أثار شكوكا حول شرط السيادة و مصدرها[16]، وهكذا بعد أن كان الموقف الأولي يدعو إلى عدم التدخل، فقد حدث تحول إلى الموقف الحالي الذي انتشر فيه التدخل بين الفاعلين الدوليين[17].  
 

     أثار التدخل الإنساني القائم على أساس التصور الأمني المجتمعي، العديد من الإشكاليات النظرية و العملية في ميدان الدراسات الدولية السياسية منها و القانونية، كونه يتعلق بأهم أركان و ركائــــز النظام الدولي و حمايته من الفوضى، و المتمثل أساسا في مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية، غير أنه في المقابل نجد أن مبدأ التدخل الإنساني يجد له خلفية في التشريعات الدولية، و هذا ما أدى إلى خلق مفارقة، و صعوبة التوفيق بين المبدأين في ظل غياب إجماع ما بين فقهاء القانون الدولي و المنظرين في حقل العلاقات الدولية حول شرعية هذا المبدأ.
و في هذا الصدد انقسمت المواقف النظرية و القانونية ما بين اتجاه مؤيد و رافض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb