لقد ساعد الواقع الدولي المعقد ولفترات متباينة، على بروز سلسلة من الأدوات والمناهج العلمية والنظريات التي حاولت تبسيط هذا التعقيد، وسعت لتوصيف وتفسير الواقع الدولي بمعطياته المختلفة، لإعطائنا قالبا نظريا يساعد الباحثين والدارسين على الإلمام بأبعاد الظواهر الدولية ، وبهدف الوصول إلى تعميمات ونظريات بخصوصها .
وسوف أتجاوز هذه النظريات، لأخوض في نظرية ربما لم يكتمل النقاش فيها بعد، ولكن سأتعرض بطريقة تحليلية لهذه النظرية، ومحاولاتها الجادة في توصيف و تحليل المجتمع الدولي المعاصر،وما طرأت عليه من تغيرات جذرية وثانوية، وكدا تقرير السمات و الملامح العامة لهذه النظرية، وإجراء نوع من المقارنة ، لاستنتاج طبيعة العلاقة بين النظرية الواقعية التقليدية و النظرية الواقعية الجديدة، وذلك وفق المنهج التاريخي المقارن، وانطلاقا من الإشكالية الأساسية:
ماهي طبيعة العلاقة بين النظرية الواقعية التقليدية و الواقعية الجديدة ؟ هل هي رد فعل أم هي إمتداد؟.
العلوم الاجتماعية، بما فيها العلاقات الدولية تتطور بصورة جدلية، و وفقا لمبدأ التراكم المعرفي، علىخلاف العلوم الطبيعية التي تتطور وفق القطيعة العلمية التي تعتبر شرط الموضوعية، فماهي طبيعة العلاقة النظرية بين الاتجاهين التقليدي والجديد؟
* ماهي المعايير النظرية التي تمكننا من الوقوف عند هذه العلاقة؟
* ماهي المسلمات التي حافظت عليها و التغيرات التي طرأت عليها؟
سأحاول في الدراسة توظيف المنهج التاريخي المقارن، و ذلك بإجراء مقارنات بسيطة بين المسلمات التقليدية والجديدة، والتطورات التي مر بها هذا الاتجاه ثم الوقوف عند الثابت والمتغير في هذه العلاقة، للخلوص في الأخير إلى الإجابة عن الإشكالية.
النظـرية والبـناء النظـري.
إن التحدث عن النظرية في العلوم الإنسانية بشكل عام و في العلاقات الدولية بشكل خاص ، أثار العديد من الاهتمام لدى الدارسين الآكاديمين في هذا الحقل، وجعلهم يقفون أمام سؤال محوري، وهو هل يمكن صياغة نظرية علمية في العلاقات الدولية؟ وبالتالي يمكن أن نخلص للغاية من ذلك السؤال هو إضفاء العلمية على هذا الحقل من خلال اعتماده على مصطلحات ربما تعطي له أكثر تواجدا ومصداقية،وذلك مقارنة بالعلوم الإنسانية الأخرى التي بدأت تعرف استقرار نظرا لقدمها وكذلك لحداثة التنظير العلمي في حقل العلاقات الدولية.
وبناء على ماسبق سأحاول في هذا الفصل تبيان المراحل المنهجية التي تبنى عليها النظرية، ثم الوقوف عند الإتجهات النظرية التي تبين الجدل الفلسفي حول كيفية تطور العلوم، فهناك اتجاهين غالبين على هذا التحليل في إطاره العام وهما الانفصالي والاستمراري، كما سأحدث هناك نوع من المقارنة الضمنية من حيث المفاهيم والمصطلحات للنظريتين أو ما يعرف بالمقارنة من حيث الأفكار.
أ - تعريف النظرية:
فالنظري حسب كنيث والتز k.WALTZهي "جملة أو مجموعة من القوانين المتعلقة بسلوك ما أو ظاهرة معينة" theories are collections or set of laws pertaining to particular behavior or phenomenon. 1. "
وعليه فمصطلح النظرية في العلوم الاجتماعية خاصة في العلاقات الدولية مفهوم خاص، ذو نظام استقرائي يؤدي إلى تقديم اقتراحات، حول السلوك السياسي، تنبع من الدراسات التاريخية المقارنة .
ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال المثال التالي: يمكن إقامة علاقة بين دخل الناخبين ونوع تربيتهم ودينهم و التوجهات السياسية لأوليائهم، والجهة التي يصوتون لصالحها، فإذا أخذت العلاقة هذه العلاقات كقوانين احتمالية مع بعضها البعض يمكن إقامة علاقات هامة. إذن: خصائص الناخبين تشكل ( المتغيرات المستقلة)، واختيارهم لحزب معين تشكل ( المتغير التابع).
ب- البناء النظري theoretical structurel:
ويتمثل في المنطلقات الفكرية التي تؤسس لترتيب منطقي للمسلمات و الفرضيات وفق منهج علمي، والذي يبدأ من مرحلة ما قبل النظرية وصولا إلى النظرية ، وعليه يذهب الباحثون في هذا المجال على أنه،لابد أن يشتمل في بناء أي تفسير نظري في العلاقات الدولية على ثلاث جوانب:
1- الجانب الأنتولوجي( الوجودي): أي النظرة إلى طبيعة الفواعل ودوافع سلوكها، مثال الواقعية الفواعل هي الدول، القوة دافع يحركها للعب أدوار.
2-الجانب الإبستمولوجي: أي النظرة إلى سلوكيات الفواعل وكيفية تحليلها، إذن هي اقتراح القوالب النظرية مثال : نظرية الاعتماد المتبادل التي انطلقت من التحولات التي مست الفواعل وتوزيع القضايا في العلاقات الدولية ( التحليل الأنتولوجي) ثم اقترحوا قالبا نظريا أو النظرة الإبستمولوجية للعلاقات الدولية .
3- الجانب المنهجي: اقتراح المناهج التي تعبر عن قبول للنظرية.
من الشكل واحد نفهم:
فالانتقال من النظرة الأنتولوجية إلى النظرة الإبستمولوجية يعطينا نماذج نظرية والناذج التي فيها نقائص ترجع في عملية تعديلية نظرية، وتستمر العملية حتى ترتقي
النظرية إلى مستوى المنهج.
مثال:الواقعية حدث تغير في الجانب الأنتولوجي ( حروب بين عرقيات)، حدث هناك
نقص في الاستيعاب الأنتولوجي،وهو التواجد العرقي، الانتقال إلى الجانب الإبستيمولجي
إدماج هذه الفواعل وإضافة مفاهيم التحريك والتعبئة، للخلوص في الأخير إلى الجانب النظري
( الواقية العرقية ) لباري بوزان.
|
النظرة الأنتولوجية |
|
النظرة الإبستمولوجية
|
|
المنهــــج
|
الشكل: 01
وبناء على ماسبق فإن النظرية تتطور استنادا إلى أمرين:
* التطور في الظاهرة( النظام الدولي).
* التطور في المناهج وأدوات الدراسة.
الجـدل الفلسـفي فـي تطـور المعـرفة
إن الحديث عن تطور نظريات العلاقات الدولية وطبيعة العلاقة بينها، يأخذنا للحديث عن إشكالية تأسيس المعرفة العلمية، والبحث لها عن مشروعية منطقية و واقعية تبرز وتستوعب التطورات والتحولات العميقة التي مست مختلف العلوم. أ- الاتجاه التراكمي:
لقد استطاع" توماس كون" thomas khun في كتابه"بنية الثورات العلمية" ومن خلال مصطلح المنظور الذي يعرفه على أنه" المسلمات المركزية التي تمتلكها مجموعة من الباحثين حول العالم الذي يقومون بدراسته" .
«the fundamental assumptions scholars make about the world they are studying».2.
أن يوجه اهتمام الباحثين إلى أهمية النظرة التاريخية لمعرفة التطور في حقل العلاقات الدولية، فهو يعتقد أن المعرفة تتطور بطريقة جدلية، بحيث ينتصر العلم الحقيقي من خلال المواجهة بين الأفكار المتضاربة، وما هو مهم حسب رأيه لابد من إعادة التفكير في الأمور بطريقة جذرية وركز على المشاكل العميقة بدلا من حل الألغاز puzzle solving أي المسائل الروتينية التي توجد في المسلمة داخل المنظور الواحد. كما أكد على عم وجود حقيقة مطلقة لأن العلم البشري في تطور دائم فالمعلومات التي يقدمها أي منظور عن العالم تبقى محدودة،ويبدأ الباحثون بالبحث عن النقائص anomaliesأو عيوب في شكل تناقضات، أو أسئلة عالقة لاتجد لها جواب داخل المنظور.
" … كما أن دراسة أي تطور في العلاقات الدولية لا تؤدي غرضها المطلوب إذا انفصلت عن سياق المنظومة المعرفية congnitive map التي ينسجها علماء الطبيعة في وقت من الأوقات، غير أن هذه التبعية لاتبرز في معارف هذه العلاقات بمثل ظهورها وبوضوح في منهجية دراسة العلاقات" .3.
ب- الاتجاه الانفصالي:
يمكن أن نجد فلسفة هذا الاتجاه في كتابات "غاستون باشلار"، الذي يعتقد بأن المعرفة العلمية لاتأتي من عدم أو فراغ، بل هي دوما رد فعل على الأزمة، وهذه الأخيرة تبقى دوما نقطة الانطلاق بالنسبة لأي عملية ونشاط معرفي. ويتساءل باشلار عن كيفية حدوث المشكلة التي تحرر ميكانيزمات إنتاج المعرفة؟ ويجيب أن ذلك يحدث عندما يعترض الفكر العلمي عائق obstacle أي أزمة تقف حاجزا أمام تطور الفكر العلمي، فتاريخ الفكر العلمي هو في حقيقة الأمر تاريخ الأخطاء الذي لم يكتب بعد، ذلك أن هذه الأخطاء هي العوائق التي انبثق منها الصواب أو تجاوزها الفكر العلمي، فأنتج المعرفة العلمية.
إذن: المعرفة العلمية تبنى على أساس القطيعة التي يعتبرها آلية ضرورية لتجاوز العائق والتحرر منه، وهي تعني الرفض والثورة على القديم السائد، ولذلك تشيع في كتاباته فلسفة الر فض.
.
في هذا الفقرة الثانية والمتعلقة سأتناول البناء النظري، لكل من الاتجاهين الواقعيين التقليدي و الجديد وذلك بالتعرض للمقارنة من حيث المنهجية الموضوعة في الفصل الأول من الناحية البناء النظري و المنطلقات الفكرية، وتلك المقارنة ستكون ضمنية و ستظهر جلي عند التطرق للواقعية الجديدة.
وانطلاقا من المواقف المختلفة حول تطور المعرفة الاجتماعية يمكن رصد اتجاهين في وصف طبيعة العلاقة بين الواقعية التقليدية والجديدة اتجاه يرى بأن المعرفة تتطور بشكل تراكمي وبالتالي فالواقعية الجديدة لم تكن إلا امتداد للواقعية الكلاسيكية في حين يؤكد أنصار الاتجاه الثاني على أن المعرفة الاجتماعية تتطور بشكل انفصالي وبالتالي فالواقعية الجديدة ماهي إلا ردت فعل على إسهامات الواقعية التقليدية، وبالتالي فأنصار الاتجاه الأول يشيرون إلى ما يجمع النظريتين من أوجه تشابه ، في حين يركز أنصار القطيعة على الأوجه العديدة للاختلاف بين النظريتين.
البنـاء النـظري للواقـعية التقلــيدية:
أ- من ناحية الأحداث:
من المسلم به أن هذا التوجه في الواقعية جاء كرد فعل على المثالية، وبالنسبة لهذه الأخيرة التي استفادت من ظهور نخبة ثرية نتيجة لثورة الصناعية( خاصة في بريطانيا) والذين قاموا بتمويل أفكارهم ونشرها بقوة في أوروبا لأنها تخدم مصالحهم في قلب النظام من سيطرت العروش، وفي هذا الصدد دعمت العديد من الأفكار والعديد من الباحثين على غرار(كانط ،فولتير، ريكاردو، سميث آدم،وآخرون…) .كما ساهم انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية في إقرار مبادئ المثالية, ونفي كون الحروب حتمية لأنها مبادئ تساهم في إقرار الوضع الراهن.لكن ما لبث أن أصبح النظام الدولي مهدد من طرف الفاشيات والنازيات، كما أثبتت الأحداث فشل عصبة الأمم، كما أكدت الدبلوماسية السرية بين ألمانيا وبريطانيا على منطق المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات المثالية ( وبدأت الحرب العالمية الثانية وانهارت المسلمات المثالية) وبدأت معالم فكر جديد في التبلور أساسه الصراع الحاد الذي ساد النظام الأوروبي في تلك المرحلة.
ب- أما من ناحية المنهج :
لقد كانت كتابات "أوغست كونت" الذي أسس أفكار الفلسفة الوضعية التي بنت الواقعية منطلقاتها الفلسفية، وبالتالي فلا يجب أن نبحث عن ما يجب أن يكون بل يجب أن نحلل بكل موضوعية ما هو كائن من دون تشويه الظواهر الاجتماعية فهي تشبه الظواهر الطبيعية تحكمها قوانين ثابتة لا يمكن لإرادة البشر تغيرها وهدف عالم السياسة هو الكشف عن هذه القوانين التي تمكنه من فهم الظاهرة وتحليل ليس حاضرها فقط ولكن فهم ماضيها.
ج - من حيث التصورات:
فالواقعية الكلاسيكية بنت افتراضاتها على مسلمات محددة وفق جوانب ثلاث.
1- الجانب الأنتولوجي: من هذه الناحية فهي تتبنى الطرح الدولاتي المهيمن، فهي الفاعل الواحد الموحد، الدور المركزي الذي تقوم به سواء على المستوى الداخلي بناء المجتمع المدني و على المستوى الخارجي تشكيل النظام الدولي، وكذلك السيادة هي حجر الأساس في البناء السياسي لهذا التواجد الأنتولوجي.
2- الجانب الإبستمولوجي: كما قلنا بأن الواقعية الكلاسيكية لم ترد صياغة مناهج معرفية من العلوم الاجتماعية الأخرى، لأنها ترى فيها تحجيم للظاهرة الدولية في مصطلحات جنيركية مفرغة بقدر ما كان هدفها تفسير الواقع لذلك كانت الفلسفة الوضعية هي الخلفية المعرفية لها، وكانت قواعد القانون الطبيعي هي التي تحكم وتفسر سلوك الأمم.
3- الجانب المنهجي: من خلال اعتمادها على المنهج التجريدي العقلاني كأساس لفهم الواقع كما هو عليه.
البنـاء النظـري للواقعـية الجديـدة:
لم تعرف نظرية في العلاقات الدولية نقدا وهجوما أكثر مما عرفته النظرية الواقعية وخاصة الاتجاه التقليدي، وبضبط على من طرف التيار السلوكي الذي اعتبرها مجرد فلسفة تفتقد للمنهجية العلمية في تحليلها للسياسة الدولية، كما تزامن ظهور الاتجاه الجديد في الواقعية،مع بروز النزعة العلمية في شتى الاختصاصات الاجتماعية، وكثرت الصيحات التي تحاول أن ترتقي بالعلاقات الدولية إلى علم يشبه العلوم الطبيعية – وأصبح العلم بمثابة الإله- وأن صدق أو خطأ القضية بمدى إتباعها علميا .
وإذا نظرنا للبناء النظري للاتجاه الجديد في الواقعية من الناحية التصورات سنجد الفروق التالية:
1- الجانب الأنتولوجي: لقد شهد العالم تزايدا كبيرا لفواعل جديدة في النظام الدولي، من الشركات المتعددة الجنسية، وكدا المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، مما جعلنا أمام وضع يستحيل فيه تجاهل هذا التواجد البيولوجي على الأقل (دون النظر إلى مدى فعاليته) لهذه الفواعل الجديدة، لذلك نجد الواقعية الجديدة حاولت التعامل مع هذا النقص في عملية تعديلية ضمت فيه هذه الفواعل واعتبارها جزء في التحليل،وكما يقول والتز" …فعلى مر التاريخ تغيرت الدول في أشكال كثيرة لكن






















